عن ثنائية الخير والشر، أو سؤال: «كيف نحقق العدالة؟» في ثلاثية أفلام باتمان

ثنائية الخير والشر في ثلاثية باتمان

 

منذ فجر التاريخ، ولأن التجمع البشري –حتى في صورته الأكثر بدائية- احتاج إلى نوعٍ من التنظيم الذي يضمن له «ديمومةً»، هي أمل غريزته الحية في البقاء، اضطُر الإنسان إلى خلق نوعٍ من التعاقد الأخلاقي الذي ينظم العلاقات بين أفراد جماعته البشرية.

وأيًّا كانت طبيعة هذا العقد، وحتى وإن كنا الآن نصنفه كعقد غير أخلاقي بالمرة، إلا أنه في حينه كان يصدر حكما قِيَمِيَّا على الأفراد من منظوره، ويصنف ما هو الأخلاقي وما هو غير ذلك؛ فحتى الجماعات الأكثر وحشية ودموية تاريخيا امتلكت مثل هذا العقد المُنَظِّم للجماعة وطبيعة علاقات أفرادها ببعضهم، وبآخرهم، أيا كان هذا الآخر.

بناء عليه تبدو ثنائية الخير والشر، وسؤال الأخلاق وفلسفتها من أقدم الثنائيات المثيرة، ومن أعقد الأسئلة التي لا زالت تتحدى العقل الفلسفي الحديث، وما بعد الحديث، لا زال هذا السؤال عن نسبية الأخلاق أو إطلاقها سؤالا فيه الكثير من الأخذ والرد، وثلاثية «باتمان» تقوم حقيقة على هذا السؤال: ما هو الخير وما هو الشر؟ وكيف تتحقق العدالة؟

في هذا المقال سأقوم بتسجيل ملاحظات أولية، على الثلاثية، وإجابتها على هذا السؤال.

أولًا- ثلاثة أطراف للمعادلة: الخير والشر والقانون

خلال الثلاثية كانت دائما هناك ثلاثة أطراف: القانون (وراعيه الأساس نظام الدولة)، والخير متمثلا في (باتمان)، والشر (متمثلا في أشكال متعددة: رأس الغول وعصبة الظلام، الجوكر، وصاحب القناع).

هذه الأطراف الثلاثة تقول لنا شيئا مهما: الدولة بشقيها: القانون ومخالفي القانون من المجرمين وعصابته تمثل مجالا بشريا نسبيا، ضابط الشرطة يمكن أن يخطئ، المجرم يمكن أن يكون في حالة ما طيبا، هذا المجال البشري ليس هو موضع السؤال عن ثنائية الشر والخير، أو ليس هو الأزمة الوجودية الحقيقية.

إن السؤال الحقيقي يظهر بشكلٍ مطلق في الأفق التجريدي، في العالم الرمزي القائم على الأقنعة: قناع باتمان، قناع الجوكر، قناع رأس الغول، قناع …، هؤلاء كرموز هم الذين سيمثلون الوجه الحقيقي للصراع، لأن الحالة البشرية هي انعكاس للمعنى، أو للرمز.

هذا الصراع بين الخير والشر يظهر بمستواه الوجودي مختلفا عن تمظهراته النسبية البشرية، إذا كان القانون في الدولة يهدف حقيقة للقضاء على المجرمين، وإذا كان المجرمون يشعرون حقيقة بالعداء والخوف تجاه الدولة، فإن المستوى التجريدي يظهر أكثر تعقيدا، مثلا: تسنح الفرصة لباتمان (رمز الخير المطلق) للقضاء على الجوكر (رمز الشر المطلق)، لكنه لا يفعل، يقول له الجوكر بثقة: إنني أكملك، يقول الجوكر لباتمان ذلك بصراحة في حوار آخر: أنا لا أريد القضاء عليك، إننا نكمل بعضنا.

هذا الصراع الخفيّ غير المرئي بين جوهر الخير والشر، في هذه الثلاثية يصبح مجسدا بالأقنعة، وهذا ما يجعله ينكشف بتعقيداته؛ فعلى العكس من التمييز الواضح في أحكام القانون بين الخير والشر، ينكشف التعقيد في التمييز على المستوى الأنطولوجي للمعنيين، كثنائية، ولكنها ثنائية لازمة وحتمية، يستمد كل طرف فيها وجوده من الآخر الذي يحاربه، هكذا إلى الأبد، بلا أمل من أن يقضي أحدهما على الآخر.

تظهر رؤية نيتشة لثنائية الخير والشر، وهي رؤية متشائمة، تميِّع مفهوم الأخلاق، وتجعله بلا معنى، الأخلاق ليست سوى ميكانيزمات دفاع ضد الضعف والعجز البشري، أو لتثبيت سلطات، لكنها ليست الفكرة المتبناة في الفلم، إنها الرؤية التي يتبناها أعداء الخير، مثلا يقول راس الغول: «اخلق ما يكفي من الجوع وسيصبح الجميع مجرمين»، ونفس الفكرة يرددها الجوكر، وباين، لكن رؤية الباتمان مختلفة، لذا؛ فإن الأخلاقي وغير الأخلاقي متمايزان، ومتكاملان في ذات الوقت، مع لمحة أمل بانتصار الخير بطريقة ما.

ثانيًا- كيف تتحقق العدالة؟

تقوم العدالة على فكرة التمييز بين الخير والشر، إلا أن العدالة كمفهوم غير واضح هنا بناء على التداخل والتعقيد بين مستويي الخير والشر، لذا يتم طرح أربعة طرق لتحقيق العدالة، وهي:

          1.طريقة الباتمان: المثالية الأخلاقية كالتزام إيماني

وهي الطريقة المبنية على فلسفة متفائلة؛ بحيث يظهر الكائن البشري كطبيعة فيها الكثير من نزعات الخير القادرة على مقاومة الشر، إنها لا تنكر وجود الشر، ولكنها تسعى لإبقاء مثالية خلقية متعالية، تجذب الناس إليها باستمرار بها.

هذه الطريقة لا تريد من جميع البشر أن يكونوا صالحين تماما كملائكة، لكنها تريدهم مؤمنين تماما بالنزوع الخيِّر في طبيعتهم، وأنهم قادرون دائما على مقارنة نفسهم بالنموذج المثال، وهذا ما يقوله باتمان في بداية الثلاثية «كرمز، سأكون غير قابل للفساد»، هذه هي طريقة باتمان لتحقيق العدالة: أن تبقى المثالية الخلقية الرفيعة رمزا قائما يظلل الحياة البشرية، ويحميها من الشر.

          2.طريقة عصبة الظلال، ورأس الغول “التطهير”:

هذه الطريقة تبدو وكأنها مستمدة من الموروث الميتافيزيقي عن العقاب الإلهي للأمم الضالة بتطهيرها تماما بإحدى الوسائل الطبيعية كالصيحة أو الطوفان أو غيره، ولا أدري إن كان هذا ما أراده الفلم بالفعل من خلال «عصبة الظلال»، العصبة غير المرئية إلا كـ «ظلال»، وربما الظلال هي رمز الميتافيزيقيا الملتبسة، وهو ما يعززه اسم رئيس العصبة «راس الغول»، والغول كائن خرافي غير موجود، ينتمي إلى المجال الميثولوجي، وهو ما يجعه قريبا بالفعل من المجال الميتافيزيقي.

في هذه الحالة تتحقق العدالة «بالتطهير»؛ إذ يرى «راس الغول» أن وقت إنقاذ جوثام قد فات، وأنها أًبحت مدينة فاسدة غير قابلة للإصلاح، لذا يجب أن يتم اللجوء إلى التطهير الكامل لجوثام، من أجل إعادة التوازن إلى الخط الحضاري البشري.

إن فكرة التطهير هذه ليست فكرة بعيدة عن الواقع، فقد تحققت في تاريخنا الحديث عبر مجازر الإبادة، التي كانت تستند إلى مبررات ودعاوى شديدة «التطهر»، و«التعالي: الميتافيزيقي وغير الميتافيزيقي».

         3.طريقة الجوكر: الفوضى

على العكس من الاستناد إلى رؤية واضحة ميتافيزيقية خاصة بخط التطور الحضاري البشري، والالتزام الأخلاقي بإعادة التوازن له، يبدو الجوكر نقيضا لهذه الحالة الميتافيزيقية المتعالية، فهو يرى أن الطريق الوحيد لتحقيق العدالة هو الفوضى، أن تفعل كل شيء بلا خطة، كي ينال كلٌّ نصيبه العشوائي من الحياة.

تمثل حالة الفوضى العنف الحداثي أو ما بعد الحداثي، الناتج عن الانهيار القيمي، أو انعدام المركز، الفوضى هي الحالة التي غاب فيها البعد الميتافيزيقي للوجود، كما غاب فيها السوبر مان أيضا، لم يعد العقل البشري الذي أظهر تحديا كبيرا للميتافيزيقيا بأنه قادر على تأسيس أخلاقي عقلاني كبديل عن الميتافيزيقي، لم يعد هذا العقل قادرا على تحقيق العدالة، وفي ظل غياب المركزين الإنساني والميتافيزيقي، لم تعد هناك«خطة» للعدالة، العدالة هي الفوضى وفقط.

          4.طريقة باين: الانتقام (العين بالعين، والسن بالسن)

جوثام هي النموذج المصغر للعالم اليوم، في عمارتها حين تأخذ الكاميرا مشهدا واسعا يظهر هذا التناقض المعماري الفظ بين عالمين: عالم ناطحات السحاب، وعالم الفقر والمعاناة شديد البؤس، هذه صورة الكرة الأرضية من الخارج: عالم أول (صناعي)، وثانٍ (نامٍ) وثالث(متخلف).

من هذا العالم الثالث، من القاع المليء بالمعاناة، حيث يُحكم على الأفراد بالموت قهرا قبل الولادة حتى، يخرج باين، يخرج بمعاناته، التي تتحول إلى غضب، إلى رغبة عميقة في الانتقام من مُثُل مدينة جوثام، من عدالتها المزورة التي تكدس الثروة والمال في أيدي القلة، بينما تترك الآخرين أمثاله يموتون بلا صوت، مقيدين بحبال الألم.

هذا العالم الحديث، القائم على اقتصاديات متوحشة، والذي يطور أسلحته باستمرار والتي يمكن في أي وقت أن تنفجر في وجهه، سيجد مخلصه الجديد الذي يريد إعادته إلى عصر ما قبل السلطات، إلى شيوعية الملكية بدلا من رأسماليات تتحفز كوحش للنهب القانوني، وإلى العدالة المدمرة.

يقرر «باين» المقنع، ابن الألم، أن يفجر القنبلة النووية في جوثام، ليتخلص من شرورها، من لا عدالتها، ومن زيف قوانينها ومثلها، شيء ما يشبه التطهير، لكنه ليس ميتافيزيقيا هنا، إنه عدالة الانتقام وفقط.

هل تبدو داعش بعيدة جدا عن «باين» بالنسبة للغرب؟!

 

كتابة: آلاء السوسي

تصميم: أنس سمحان

 

نُشِرت في كتابات الأعضاء, مقالات سياسية, مراجعات, نقد اجتماعي, أفلام | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

مترجم: سبع نصائح يقدّمها همنغواي عن كتابة الرواية

 

هيا أبو شمالة

 

سبع نصائح يقدمها ارنست همنغواي عن كتابة الرواية:

قبل أن يصبح ارنست همنغواي صيادًا محترفًا للحيوانات والأسماك في أعماق البحار، كان حِرَفيًا اعتاد أن يصحو في الصباح الباكر ويكتب. تعتبر أفضل قصصه من روائع العصر الحديث، وقد امتاز أسلوبه النثري بأنه واحدٌ من الأساليب الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين.

لم يكتب همنغواي يومًا مقالًا عن فن كتابة الرواية، ولكنه مع ذلك ترك وراءه ميراثًا من الرسائل والمقالات والكتب التي تضمن آراءً ونصائح حول الكتابة. وقد قام لاري فيليبس عام 1984 بتجميع أفضل ما خلّفه همنغواي في كتابٍ أسماه “ما قاله ارنست همنغواي عن الكتابة”. لقد قمنا باختيار سبعة من اقتباساتنا المفضلة من الكتاب وأرفقناهم بتعقيباتنا الخاصة، ونأمل أن يجدها الجميع رائعة، الكُتّاب والقراء على حد سواء.

 

1- ابدأ بكتابة جملة واحدة صحيحة:

اتّبع همنغواي خدعةً بسيطة لتجاوز العثرة التي قد يواجهها الكاتب، فقد ذكر في إحدى المقاطع الفذة في روايته [وليمة متنقلة]:

 أحيانًا عندما كنت أبدأ في كتابة قصة جديدة وأعجز عن إكمالها، كنت أجلس أمام النار وأقوم بعصر قشور البرتقال عند حافة اللهب، ثم أرقب الرذاذ الأزرق الذي يصنعانه. أو قد أقف لألقي نظرةً على مدينة باريس من فوق الأسطح ثم أقول لنفسي: (لا تقلق. لطالما نجحت في الكتابة من قبل وسوف تستطيع أن تكتب الآن. كل ما عليك فعله هو كتابة جملة واحدة صحيحة. اكتب أكثر جملةٍ تراها صحيحة.) ثم ينتهي بي الأمر بكتابة جملة واحدة صحيحة تمكّنني من المضي قدمًا. كان الأمر سهلًا آنذاك فبطبيعة الحال هناك دائمًا جملة صحيحة واحدة أعرفها، أو كنت قد رأيتها أو سمعت بها. في كل مرةٍ كنتُ أبدأ فيها بالكتابة بإسهاب أو بتقديم شيءٍ ما كنتُ أقوم بتمزيق اللفافة أو خربشتها ثم رميها بعيدًا، وأعود لأبدأ بأول جملة صحيحة بسيطة تقريرية كنت قد كتبتها.

2- توقف عن الكتابة دائمًا عند نهاية اليوم حتى وإن كنت تعلم ماذا سيحدث لاحقًا:

هناك فرقٌ بين التوقف والتعثر. من أجل إحراز تقدمٍ مطردٍ في الكتابة، لم يكن همنغواي مهتمًا بأن يكتب مقدارًا محددًا من الكلمات يوميًا بقدر ما كان حريصًا على ألا تنضب البئر التي يستقي منها خياله. في شهر أكتوبر من عام 1935 قدم همنغواي نصيحةً للكاتب الشاب في مقاله “خطاب إلى المايسترو: رسائل أعالي البحار” لمجلة (اسكواير)قائلًا:

«أفضلُ طريقةٍ هي أن تتوقف دائمًا كلما شعرتَ أنك تسيرُ على نحوٍ جيد وأنكَ تعلم ماذا سيحدث لاحقًا. إذا اتبعت هذا النهج يوميًا وأنت تعمل على كتابة روايةٍ ما فإنّك لن تجد نفسك عالقًا أبدًا. هذا نصيحةٌ نفيسةٌ عليكَ أن تتذكرها دائمًا.»

 3- لا تفكر أبدًا في القصة التي تعمل عليها وأنت لا تكتب:

يتابع همنغواي ما ذكره في النصيحة السابقة قائلًا بأنه عليك ألا تفكر في القصة التي تعمل عليها قبل أن تستأنف الكتابة في اليوم التالي. وكما ذكر في مجلة (اسكواير): “بهذه الطريقة سوف يستمر اللاوعي في حياكتها طوال الوقت، أما إذا ظل وعيكُ مشغولًا بها فسوف تخنقها في مهدها وسوف تجهد عقلك حتى قبل أن تبدأ الكتابة.” يتحدث همنغواي بتفصيلٍ أكبر في رائعته “وليمة متنقلة” ويقول:

«عندما كنت أكتب، كنت أشغل نفسي بالقراءة بعدها في شيءٍ آخر. إذا ظللتَ مشغولًا بالتفكير في الأمر فسوف تفقده قبل أن تتابع الكتابة فيه في اليوم التالي. من المهم أن تمارس تمرينًا ما أو أن تُجهد جسدك كأن تنام مع شخصٍ تحبه. ولكن فيما بعد إذا وجدت نفسكَ متفرغًا فإنه من المهم أن تقرأ حتى لا تفكر كثيرًا أو تقلق بشأن ما تكتبه حتى تستأنفه مرةً أخرى. لقد تعلمتُ ألّا أُفرِغ البئر التي تأتيني منها الأفكار، بل أن أتوقف كلما لمحتُ شيئًا عالقًا في أعمق نقطةٍ فيها وأنتظر حتى تمتلئ مجددًا.»

4- عندما يحين موعدُ استئناف الكتابة ابدأ بقراءة ما كتبته حتى اللحظة:

اتخذ همنغواي عادةَ قراءةِ كل ما كان قد كتبه قبل أن يستكمل الكتابة من أجل الحفاظ على تسلسل الأفكار. وقد ذكر في مقاله في “اسكواير” عام 1935:

«إن أفضل طريقةٍ تتمثل في أن تقرأ كل ما كتبته منذ البداية وتقوم بتنقيحه، ثم تتابع من حيث توقفت اليوم السابق. عندما تصبح الرواية أطول ويصعب عليك قراءتها يوميًا، اقرأ آخر فصلين أو ثلاثة فصول كل يوم، واقرأها كلها أسبوعيًا من بدايتها حتى تحافظ عليها كوحدةٍ واحدة.»

5- لا تصف الشعور بل قم بخلقهِ:

يؤمن همنغواي أن النظرة الثاقبة للحياة تؤثر بشكل أساسي في الكتابة الجيدة، فلا يكفي أن تشاهد وتسمع ما يحدث حولك عن قرب بل أن تُلقي بالًا للمشاعر التي تثيرها الأحداث فيك وأن تقتفي أثرها لتحدد بالضبط ما الذي أثار فيك هذه المشاعر.

ويعتقد بأنك إذا استطعت أن تحدد الحدث أو الإحساس الذي أثار فيك شعورًا ما وقدمته بشكلٍ دقيق ومتكامل في قصتك فسوف يشعر قراؤكَ بنفس الشعور الذي أصابك.

في كتابه [موت في الظهيرة] كتب همنغواي عن الصراع الذي خاضه في بداياته لإتقان ذلك، فقد قال:

«كنت في ذلك الوقت أحاول الكتابة، وبعيدًا عن الصراع المتمثل في التعرف على الشعور الذي يعتريك والإحساس الذي يفترض أن يثيره فيك أو الإحساس الذي اعتدت عليه، فقد واجهت صعوبةً بالغة في تجسيد ذلك الشعور في حدثٍ ما.»

في الكتابة الصحفية تقوم بكتابة الحدث، وبخدعةٍ أو بأخرى وبمساعدة عنصر التوقيت تستطيع أن توصل الشعور الخاص بالحدث الحاصل في ذلك اليوم. ولكن الشيء الذي واجهت صعوبةً في بلوغه وكنت أعمل باجتهادٍ لأحققه هو تجسيد ذلك الشيء الحقيقي المتمثل في سلسلة الأحداث والحقائق التي تثير الشعور، والذي من الممكن أن يحافظ على تأثيره لعام أو عشرة أعوام، أو إن حالفك الحظ وعبّرت عنه بشكل وافٍ فقد يمتد على مر السنين.

 6- استخدم قلم الرصاص عند الكتابة:

اعتاد همنغواي أن يستخدم آلةً كاتبة عند كتابة الرسائل أو المقالات، ولكنه كان يفضل استخدام قلم الرصاص في أعماله الجادة. وقد ذكر في مقاله في مجلة “اسكواير” والذي يتضح أن همنغواي كتبه باستخدام الآلة الكاتبة:

«عندما تبدأ بالكتابة سوف تحظى بمتعةٍ لا يحظى بها القارئ. يمكنك حينها أن تستخدم الآلة الكاتبة لأنها أكثر سهولة وإمتاعًا. فيما بعد ستدرك أن مهمتك تقتضي أن تصف للقارئ كل شيء، كل شعور ومشهد وإحساس ومكان، ومن أجل أن تبلغ ذلك عليك أن تعيد المرور على النص الذي تكتبه. إذا استخدمت قلم الرصاص عند الكتابة فسيتوفر لديك ثلاث فرص تستطيع من خلالها تقييم ما إذا كان القارئ سيتلقى ما تحاول إخباره به. تتمثل الفرصة الأولى في إمكانية إعادة المرور على النص، والفرصة الثانية تكمن في عملية الطباعة حيث سيتسنى لك التعديل، والفرصة الثالثة تكون عند إصدار النسخة التجريبية. إن استخدام قلم الرصاص منذ البداية يتيح لك فرصة التعديل بنسبة الثلث أي ما يعادل 0.333 وهو احتمالٌ رائع بالنسبة لأي مُجرِّب. هذا بالإضافة إلى أن استخدام القلم الرصاص يجعل النص مرنًا لفترةٍ أطول في مواجهة التعديلات مما يتيح إمكانية تحسينه.»

 

7- كن موجِزًا

اعتاد همنغواي أن يزدري الكتاب الذين –على حد وصفه– (يعجزون عن مواجهة إغواء الآلة الكاتبة.) فقد ذكر في رسالة كتبها عام 1945 للمحرر ماكسويل بيركنز:

«إن قِصر خطاب غيتيسبرغ لم يكن من قبيل الصدفة، فقوانين كتابة النثر ثابتة تمامًا مثل قوانين الطيران والرياضيات والفيزياء.»

 

المصدر: هنا

ترجمة: هَيا أبو شمّالة

تصميم: أنس أبو سمحان

حقوق النشر محفوظة لمدونة ملتقى أفلاك الثقافي

نُشِرت في كتابات الأعضاء, مقالات أدبية, مترجم, غير مصنف | الوسوم: , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

يارا العفيفي تكتب: سؤال وقح!

 

يارا

 

سألني أحدهم يوماً ما سؤالا، وقال لي: يارا، ما هي أحلامكم في قطاع غزة من وجهة نظر شبابية – كجيلٍ صاعد -؟!

لقد كان سؤالاً “مبهراً”، مثيراً للضحك.. للحزن، للشفقةِ والاشفاقِ، للغرابة.. وللصّمت!

أُنظر سيّدي، سأخبرك “من وجهة نظر شبابيةّ غزيّة” كما تشاء! في البدء لابد أنْ نفهم جيداً بأننا سنأخذ بعين الاعتبار جيل ما بعد منتصف الثمانيّنات والتسعينيّات وما بعدهما، وأني تحديداً من ذوي فترة بداية التسعينيات؛ حيث دخول السُّلطة الوطنية الفلسطينية (س.و.ف) لقطاع غزة للعام 1994، وهذا بالشكل العام هو الجيل الذي يعتبر نفسه في قطاع غزة بأنَّه “وجد الهَمّ بالدَّم وليس الملاعق”!

نحن الذين منذ نعومة “مخالبنا” عشنا أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية للعام 2000، حيث محمد الدرّة وفارس عودة وإيمان حجُّو ،و”وين الملايين”،و “الحلم العربي – أجيال ورا أجيال” ، “وعِلِي صوت الغضب”.. و “لبيكِ يا أمِّي لبيكِ”.

ومما لابدّ منه أنْ يُفهَم جيداً معنى وتبعيّات كلمة “انتفاضة” لجيلِ يُحاول أنْ يكبر كما الآخرون!

لقد عشنا – عشنا: فعل ماضي- “هنا” في غزة زمن السّلطة الوطنية الفلسطينية حينما كانت الحياة “تبدو” جميلة لحدٍّ لا بأسَ به. حياة فيها الكهرباء والماء وحرية السَّفر والراتب “المحترَم!”، ووظائف جيّدة، ومعبر رفح بيد” إسرائيل”، ولقد كان عشنا زمن حاجز عظيم، يُسمّى “حاجز أبو هولي”. فدعني أخبرك عنه جيداً!

هذا الحاجز الإسرائيلي هو الذي يَفصل مدن قطاع غزة عن بعضها البعض ما بين الشمال والجنوب..وهو الحاجز الذي عادةً ما كان يُسبِّب لنا “طعم الوطن” في كل وَجبَاتِ حياتنا!

في العملِ والدراسةِ والزيارات والأفراح والأحزان، والمناسبات الاجتماعية والتَّنقل بشكلهِ العام.. لقد كان هناك العديد من المُوظفّين يأتون من رفح (الجنوب) إلى غزة (الشمال) كي يقوموا بآداءِ عملهم المهنيّ، وكان هذا الحاجز كثيراً ما يُغلَق أو يُتأخَّر فتحه بساعاتٍ طوال قد تمتَّد لأكثر من 10 ساعات كاملة في اليوم الواحد.. يقف فيه الناس ينتظرون وينتظرون وينتظرون..! يتوزّعون ما بين جالسٍ في سيارة الأُجرة التي تنقله ليرتقب فتحه في أي لحظة، أو يأكل أو يتحدث أو يتأفّف كثيراً أو يذكر الله – إنْ كان الله يُذكَر في ذاك الزمان!!- أو يستمع للراديو أو الطرب – إنْ توافر ذلك دون عَطل-، وما بين مَنْ يخرج من السيارة مثله مثل الكثير حوله كيّ يستنشق الهواء خارجاً ويُشاطر “طعم الوطن” مع الآخرين حوله ومَن مثله مِن المنتظرِين!

يا سيّدي عليكَ أنْ تعلم بأنه مجرّد توسيع دائرة الخَيال لديك حول مشهدٍ كهذا سيُخبرك جيداً “أيُّ جيلٍ نحنْ”، وماذا يعني ذلك كله. ماذا يعني أنْ ترى الانتظار – بكافةِ أشكاله سواء لوظيفةٍ تحتاج الذهاب إليها، أو أهلٍ تحتاج زيارتهم أو ابنٍ مريض لك تحتاج إسعافه عاجلاً أو والدٍ توفّى وتحتاج أنْ تجد أسرع وقتٍ ممكن كيّ تودّعه “الوداع الأخير” وما “قبل الدّفن المرير”، أوترقّب الإفراج عن رجالٍ وشباب أوقفهم الاحتلال الإسرائيلي أثناء التفتيش عبر الحاجز ، أوغير ذلك الكثير الكثير ..

كيف لكلّ هذا الانتظار أنْ يأخذ مَنْحَى “الوطن” و “الاحتلال ” في كل شيء!

إقرأ المزيد

نُشِرت في فلسطينيات, كتابات الأعضاء, مقالات سياسية | الوسوم: , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

يوسف الشهابي يكتب: تعليقًا على كتاب مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي

 

 

أعتقد أنّ القصة هي ذاتها قصة التطعيم الزراعي، لا يحمل الطعم (إذا حمل) ثمار الأرومة التي وضع فيها بل ثمار أرومته الأم.

أعتقد أنّ هذه الفكرة هي التي كان الكتاب يدور حولها من بدايته حتى نهايته، الأفكار وأصالتها وبيئتها.
قرأت الكتاب مرتين، الكتاب غنيّ جدًا ويحتاج إلى التأني في قرأته، اختلفت نظرتي إليه إلى حد ما بعد القراءة الثانية، لكن لازلت مصرًا أنّ مالك بن نبيّ وظّف الكثير من السياقات بطريقة خاطئة للدلالة على هذه الفكرة، بالإضافة إلى جملة من التناقضات.
الكتاب جيد عمومًا أفلاطونيّ إلى حد ما.
الفصل الأول كان الكارثة الكبرى في الكتاب، فيه يقارن بن نبيّ بين الفكر الغربي والفكر الإسلاميّ، ويسرد حكايتين إحداهما من الثقافة العربيّة (حيّ بن يقظان) والأخرى من الثقافة الغربيّة (روبنسون كروزو) وعلى زعمه كانت المقارنة هي أفضل توصيف للاختلاف بين الشرق والغرب وبين الحضارة الماديّة (الغربية) والحضارة الفكريّة (العربيّة)، و برأيي فإنّ سرد هذه المقارنة هي ما يوّضح المشكلة الكبرى في هذا الكتاب، فبن نبيّ يعتقد أن العقل البشري مطلق، كما في قصة حي بن يقظان التي تروي حكاية طفل تربّى بين الحيوانات ونما عقله وتوّصل إلى الخالق والدين.

إقرأ المزيد

نُشِرت في كتابات الأعضاء, مراجعات, نهضة, اسلاميات, تجديد ديني | الوسوم: , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

أحمد أبو رتيمة يكتب: العدالة والقوة

 

 

في جلسة نقاش فكري شبابي أثير سؤال حيوي: هل علينا في هذا العالم المضطرب أن نلتزم بالمبادئ الأخلاقية، أم أن نحرص على امتلاك القوة والسلطة التي تجبر العالم على احترامنا؟ كان التوجه الغالب هو أن الحديث في العدالة والأخلاق في الواقع السياسي ضرب من المثالية الحالمة، وأنه ما دمنا في عالم لا يحترم إلا الأقوياء، فإن علينا أن نصارع من أجل القوة والهيمنة، حتى وإن اقتضى الأمر التغاضي عن التجاوزات الأخلاقية بل وتبريرها.

في سبيل البحث عن إجابة لهذا السؤال الجدلي دعونا نرجع خطوة إلى الوراء فنسأل: من نحن؟ وماذا نريد؟

إذا كنا أمة صاحبة مشروع رسالي حضاري فهذا يعني أن لدينا إضافة نود تقديمها إلى الإنسانية، وهذا يعني بالضرورة أننا لا نبحث عن الهيمنة والنفوذ لذات الهيمنة والنفوذ، بل إن مسعانا الرئيس هو أن نحدث فرقا إيجابيا في واقع العالم، ولو كانت القضية صراع نفوذ وحسب فليس هناك مبرر أساسا للتفكير في تغيير الوضع الراهن؛ إذ إنه ما قيمة أن ننهي هيمنة أمريكا على العالم وحيازتها للثروات لننشئ إمبراطورية إسلامية تهيمن بدورها على العالم وتستأثر بالنفوذ والثروات، وما الفرق بين أن تعاني الشعوب من التمييز واختلال العدالة على أيدي أناس أسماؤهم جورج وجون وديفيد أو على أيدي أناس أسماؤهم محمد وعبد الله وعلي!

إقرأ المزيد

نُشِرت في كتابات الأعضاء, نقد اجتماعي, نهضة, تجديد ديني, تعليقات على فعاليات | أضف تعليق

آلاء السوسي تكتب: النظام والفوضى كثنائية والعنف كمنتج نهائي!

عن ثنائية الجماعة والفرد

 

 

 1- حول فلم “Fight Club

فيلم “Fight Club” الذي حقق نجاحا باهرا، وهو المأخوذ أصلا عن رواية كانت من أكثر الكتب مبيعا، هذا الفلم يتحدث عن الثنائية الأعقد: الفرد مقابل الجماعة أو نظامها، والذي يظهر متمثلا في الدولة (والدولة الحديثة هي أعقد طرف يقابل الفرد في ثنائيته ضد الجماعة)، هذه الثنائية التي ستولد ثنائية أخرى، وهي: النظام أو الفوضى.

تتولد الثنائية من كون “الهو”لدى البطل لا يستطيع تحاشي الصراع مع روح الجماعة، ولا يستطيع “اللاشعور” الخضوع والتكيف مع الوعي الأخلاقي الذي تتبعه الجماعة، لكنه في ذات الوقت لا يستطيع الانفلات من سلطة “لأنا الأعلى” كليا، يعاني البطل من شخصية مزدوجة، الأولى خاضعة كليا للنظام، وتقبل نفسها كعنصر متغير في بنيته المغلقة، والثانية: ترفض النظام كليا وتسعى لهدمه.

الشخصية الثانية تسيطر على أجواء الفلم، فيبدأ البطل بتكوين جماعة تنفذ أعمالا تمس روح النظام، يقوم البطل في النهاية بتفجير بنية المؤسسة الاقتصادية عبر تفجير مؤسساتها، في إشارة إلى رفض النظام الرأسمالي الذي تتخذه الدولة الحديثة كأساسٍ جوهري لوجودها.

ثمة فكرة أخرى يطرحها الفلم:

في بداية الفلم يجد البطل في جلسات الكنيسة التي تعقدها لفاقدي الأمل (support groups) الحل المناسب لأزمته المزمنة مع الأرق، ويكتشف أن البكاء على صدور الضعفاء هو العلاج الوحيد الذي يجعله قادرا على النوم، هذه الجلسات هي “العلاج الوديع لمشاكل الحياة“، حيث يحلم الضعفاء بنسيان آلامهم عبر المثل العليا، ووعودها، وفضاءاتها الروحية.

 

بعدها تصبح هذه الطريقة غير مجدية، ويتحول البطل إلى العنف في مواجهة النظام، أو إلى “الفوضى”، أحد الذين كانوا معه في “جلسات الدعم”، يتحول إلى جماعته، ويجد أن اللذة الحقيقية لم تكن في الاستسلام للضعف، بل في هذه اللذة الحقيقية للعنف.

الفكرة التي يقولها الفلم إذن: يمكن للضعفاء أن يواجهوا آلامهم بطريقتين:

الأولى: أن يستسلموا للضعف، ويجعلوا منه ملحمة أخلاقية ذات نزوعٍ مثالي؛ غالبا يقوم الإيمان، والفلسفات الروحية بهذه المهمة.

الثانية: أن يواجهوه بالعنف، وبتحطيم الطمأنينة، وكشف الحقائق التي لا يكشفها سوى الألم وحده؛ ربما لأننا لا نتعرى تماما إلا في أوقات الشدائد، حينها نرى الحياة بلا مستحضرات التجميل التي نحب أن نخدعها وتخدعنا.

يختار البطل الخيار الثاني، ويفضله على الأول. ربما لأنه نِتْشَويّ(نسبة لنيتشة) ويؤمن أن “الأخلاق وسيلة الضعفاء”، بينما العنف هي الحقيقة العارية والشجاعة.

          2- محاولة للتخيل:

دعونا لا نهتم كثيرا للأيديولوجيات، ونسقطها من الوعي، ونغير الأسماء ليكون اسم البطل عربيا، قام بتفجير المباني الاقتصادية في الغرب، ماذا ستكون الرواية؟

دعاية لعمل إرهابي يجب محاربته!
 

          3-محاولة للربط:

منذ ظهرت داعش وهي مؤسسة على أرضية فكرتها الكبرى عن الخلافة وغيرها من أفكار السلفية الجهادية، وتدور النقاشات حول ما إذا كان التراث الإسلامي على علاقة بالأمر أو لا، أو إن كانت النصوص الدينية منتجا لهذا العنف أو لا، أو إن كان الإسلام بحاجة إلى التجديد وفق صيغة عصرية أو لا. وكلها نقاشات عديمة الجدوى، ليس لأن التراث بريء من العنف مثلا (التاريخ لن يخلو من العنف مطلقا)، ولا لأن النصوص لا تحتمل أن تنتج تأويلات عنيفة (النص حمال أوجه)، ولا لأي من هذه الأسباب.

إن السبب الحقيقي في عدم جدوى مثل هذه النقاشات أنها تتجاوز القصص الصغرى التي يسببها نظام قائم، إلى سرديات كبرى (هي في الأساس مجرد واجهة لهذا العنف الذي لم تنتجه، رغم أنها ضرورية لمنحه هوية ما).

          4- العنف بحاجة إلى هوية

العنف كمنتج تاريخي تولده ثنائية جوهرية: هي تصادم طموحات الفرد مع الجماعة أولا، والتي تتطور لثنائية أخرى وهي تصادم مصالح الجماعة مع الجماعة الأكبر، والتي تأخذ مظهرها الأخير في كونها ثنائية الفوضى ضد النظام.

هل يمكن أن نقول إن هذه الثنائيات المتوالدة سيرورة لا نهائية، بتشاؤم محض، أقول: نعم. ولكنه دائما سيظل بحاجة إلى هوية تمنحه شرعية وجوده، أيا كانت هذه الهوية، سواء أكانت دينية أو عرقية أو أخلاقية أو منطقية أو عاطفية، أيا كان شكل الهوية، سيبقى العنف هو ابن التاريخ ووالده في ذات الوقت.

          5- العودة إلى القصص الهامشية:

 إن القصة الصغرى للبغدادي لا تختلف في عمقها مع بطل “Fight Club”، وإن قصة داعش لا تختلف في جوهرها مع قصة جماعته، الجزء الأعمق في الإنسان هو السؤال، وليس ثمة ما يقال بعده.

لمقاتلي داعش قصصهم التافهة مع الأرق،  والخذلان، والألم، والضعف، وهجران الحبيبات، والخيبات، والشعور بالاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي أو الهوياتي، أو حتى فقدان المعنى الوجودي (كما حالة المهاجر الأوروبي الثري الذي تحول بين عشية وضحاها إلى مقاتل)، والعنف هو هذا المنتج الأخير للمواجهة مع  الضعف.

مواجهة الفرد لجماعة  تقف عائقا بينه وبين تحقيق رغباته، مواجهة الأنا مع الجماعة، والفوضى مع النظام، هي تلك المواجهة التي لم تتوقف منذ قتل قابيل هابيل لأسباب  تنتصر لرغبة الذات ضد الآخر الذي يسلبها، والنظام الذي يرفضها، جينات العنف التي اكتسبتها البشرية متوارثة عن أبيها القاتل لن تتهذب بالتقدم في الزمن، ستظل تأخذ أشكالها الهوياتية المختلفة، ولن تتوقف بعد داعش، ربما مثلت داعش “الواقع الأسوأ” لها، وربما كان “Fight Club”، ملهما لكل هذا العنف، حيث لا يواجه الضعفاء آلامهم ورغباتهم غير المتحققة بمحبة المسيح، بل بالقنابل!

          6- كيف نواجه هذا العنف؟

لأكن من فاقدي الأمل الذين يرون أن العنف لن يتوقف؛ فطالما هناك ضعفاء، غير موهوبين، ولا متميزين، في عالم أصبح يقدس المتفوق، ويدوس غير المتميز، سيبقى العنف خيارا مفتوحا لكل أولئك الـ “بلا مميزات” التي تجعلهم مقبولين في النظام.

 طالما هناك فقر، وديكتاتوريات، ونفط، وسوق، ودولة، ونظام، سيوجد المتمرد والحاقد والثائر والمدمر والفوضوي، سيظلون موجودين يبحثون عن هوياتهم المختلفة في سرديات كبرى تليق بهم، حتى وإن كانوا يرفضون السرديات الكبرى، فإنهم سيختلقون سرديتهم الخاصة.

 لكن بطرح أكثر أملا، فكلما كان الفرد قادرا على إِشباع رغباته الخاصة، كلما كان من الممكن أن تقل هذه الفجوة، وحتى في هذه الحالة، ربما نكون قد اجتنبنا عنف الجماعات، لكننا لن نجتنب عنف الأفراد.

نُشِرت في فلسفة, كتابات الأعضاء, مقالات سياسية, نقد اجتماعي, أفلام | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

محمد الجوراني يكتب: هل يحتاج الاحتلال مبررًا؟!

هل يحتاج الإحتلال مبررًا1

“-لا نريد أن نعطي الاحتلال مبررات لقتلنا
– لا يحتاج المحتل لمبرر لقتلنا .

هل الاحتلال بحتاج لمبرر؟ أم لا
تنقسم الإجابات عن هذا السؤال إلى إجابتين حديتين”


نعم أو لا ..وأنا أرى أن المسألة نسبية …ليست محاولة توفيقية مائعة بين الرأيين بل استناداً إلى النقاط الصلبة الآتية ..
ينبغي القول أن أي نظام استعماري يرتكب العنف بمجرد نشوءه ..النظام الاستعماري من حيث هو ينطوي بالضرورة على فكرة العنف،والحديث هنا عن عنف بنيوي ممؤسس.. والتذكير بمجازر دير ياسين وغيرها مكرور لكنه مفيد لفهم القضية بالرجوع إلى نقطة مرجعية ..لنقول أن هذا الاحتلال سيمارس العنف مهما كان شكل مقاومتنا وإن قاومنا أو لا على الأرجح
ومقولة أننا لا نريد أن نعطي الاختلال مبررا لقتلنا تستخدم عادة كمطية من أنصار عملية التسوية لتبرير عدم قيامنا بشيء تجاه ممارسات الاحتلال بل ومحاولة التصالح معه والتكيف مع إجراءاته..
لكن لو كان الاحتلال لا يحتاج لمبرر فعلا لماذا نعقد الهدن مع هذا الاحتلال ونلتزم بخطوط معينة -وإن كان مرحليا -لحماية أنفسنا .. القول بأن الاحتلال لا يحتاج مبررا يتخذ كذلك كآلية لإسكات الصوت الناقد لآليات مقاومتنا وقمعه
القول بأن الاحتلال سيقتلنا مهما فعلنا فدعونا نفعل ما يحلو لنا ..هذه مغالطة ..نعم الاحتلال لا يحتاج لمبرر بمعنى الحاجة لكنه يستفيد من وجوده ويسعى لأن يجد مبررا
شكل مقاومتتا وأساليبها ليست سببا لعنف الاحتلال ومن يقول بذلك هو يبرر للاحتلال جرائمه علم أم لم يعلم لكننا نعرف في داخلنا أن مقاومتنا عامل من عوامل عديدة في تحديد وتوجيه طريقة عنف الاحتلال نحونا وأحيانا شدته ..والظروف الدولية باتت لا تساعد الاحتلال على تكرار ما فعله في أزمان سابقة بنفس الطريقة.
لماذا لا نريد أن تنطلق صواريخ من غزة الآن؟ ومن معها الآن لماذا لم يكن معها بعيد الحرب مباشرة لأنه يدرك أن الصاروخ عامل ضمن العوامل والقول بأن الاحتلال لا يحتاج لمبرر- على الطريقة السائدة- قول ساذج وإلا لكنا قاتلنا قتالا متواصلا بعشوائية مطلقة إلى أن نفنى جميعا

ما ينبغي أن نفعله بغض النظر عن هذا الخلاف اللفظي الفلسفي حول السؤال ..أولاً :ينبغي أن نخضع مقاومتنا وأسالببها وحتى عنفها من عدمه للفحص وسؤال الجدوى..فالقتال ليس غاية بحد ذاته
وينبغي أن نفرق في نفس الوقت بتعبير الأستاذ ماجد كيالي بين العنف الثوري المنظم وبين العنف الثوري الفردي الغريزي الذي كما هو تعبير عن روح التمرد تجاه الاحتلال فهو تعبير عن فشلنا وفشل كياناتنا كمجموع في تقديم بديل مجدٍ ومنظم،ومحاولة لوم الفلسطيني الفرد في هكذا سياقات أمر غير مقبول بنظري وليس مجدياً أصلا.

17/10/2015

نُشِرت في فلسطينيات, كتابات الأعضاء, مقالات سياسية, نهضة | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق