آلاء السوسي تكتب: تعليقات على محاضرة “الإسلام بين الدين والأيديولوجيا”

المحاضرة الحوارية الأولى - الإسلام بين الدين الأيديولوجيا

مفهوم الأيديولوجيا أولًا

اهتمت محاضرة “الإسلام والأيديولوجيا” والتي ألقاها الأستاذ عبد السلام الحايك بمناقشة الجانب التنظيري، والآخر التطبيقي حول مدى إمكانية ارتباط هذين المفهومين لتقديم رؤية جديدة، يمكن من خلالها النهوض بواقع “الأمة” الذي تزداد أزماته الفكرية والسياسية بالتوازي أو بالتراتب.

لكن المحاضرة أثارت لديَّ الفضول في معاودة النظر بمفهوم “الأيديولوجيا”، الذي على أساسه يمكن أن نوضح العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، لذا كان السؤال: ما مفهوم “الأيديولوجيا”؟

في الحقيقة أننا غالبا ما نقع في فخِّ المصطلحات عند محاولتنا للتنظير لقضيةٍ ما، وذلك لأن هذه المصطلحات “دخيلة” على شبكة المفاهيم الدلالية لدينا كعرب من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي (في أصل نشأتها) منقطعة، أو شبه منقطعة، عن السياق الحضاري العربي، وأخيرا: لأن هذه المصطلحات نفسها مرت أثناء تشكلها بمجموعة من التطورات التي صقلتها وفقا لظروف اجتماعية وتاريخية، واستعمالها يعني الوعي بالنقاط الثلاثة السابقة حتى يمكننا من وضعها في سياقها الصحيح.

نسب المحاضر تعريفا للأيديولوجيا إلى “ألتوسير” بأنها: نظام – يملك اتساقه المنطقي الخاص- من التمثلات، الصور أو الاساطير أو الافكار أو المفاهيم حسبما تكون الحالة، له وجوده ودوره في مجتمع معين، والايديولوجيا كنظام من التمثلات يتميز عن العلم بأن وظيفته العملية الاجتماعية ترجح وظيفته النظرية- أو وظيفة تقديم المعرفة.”

حقيقة أن ألتوسير لم يقدم الأيديولوجيا بهذه الصورة، وكان متفقا مع من سبقوه بأن الأيديولوجيا هي الوهم، وتزييف الواقع، لكنه اختلف مع ماركس في مسألة ارتباط ثنائية الوعي والواقع في تكوين الأيديولوجيا، فبينما يقلب ماركس الهرم الهيغلي المثالي الذي يرى أن عوامل الإنتاج هي نتاج الوعي، ويعتبر -على العكس من هيغل- أن العلاقات المادية هي التي تحدد الوعي،وأن الأيديولوجيا هي قناع استخدمته الطبقة المسيطرة من أجل تبرير سيطرتها على عوامل الإنتاج، يرى ألتوسير أن “اللا وعي” ، وليس” الوعي” هو العامل الأبرز في بنية الأيديولوجيا. لكن وفي كل الأحوال لم تتعدَ الأيديولوجيا كونها “وهما” أو “تزييفا للواقع“.

ولتفصيلٍ أكثر في إشكالية تعريف الأيديولوجيا يمكن الإحالة إلى كتاب “مفهوم الأيديولوجيا” لعبد الله العروي، وهو كتاب مهم لتحديد المصطلح وفقا لسياقاته ومجالاته، وهنا سأحاول نقل بعض النقاط المختصرة التي طرحها العروي[1] في كتابه:

– ماهية المصطلح:

يقرُّ العروي منذ البداية باعتقاده بنفي إمكانية تحديد المصطلح تحديدا دقيقا؛ فأي بحث مهما بلغ من الطول لن يضع حدا لجميع التساؤلات حول الموضوع، “والسبب في ذلك أنه “مفهوم اجتماعي تاريخي، وبالتالي يحمل في ذاته آثار تطورات وصراعات ومناظرات اجتماعية وسياسية عديدة، إنه يمثل “تراكم معانٍ

لذلك، فإنه قبل أن يحاول تعريف الأيديولوجيا، يعمل على وضع تصوُّرٍ لماهية استعمال المصطلح، بوصفه مصطلحا مزدوجا يشير إلى مستويين، لا إلى مستوى واحد، “إن مفهوم الأدلوجة دائما مزدوج فهو في نفس الوقت وصفي ونقدي، يستلزم دائما مستويين: المستوى الذي تقف عنده الأدلوجة حيث تظن أنها حققية مطابقة للواقع، وهو المستوى الذي يقف عنده الباحث لوصف تلك الأدلوجة بوفاء وأمانة، والمستوى الثاني هو الذي يقف عنده الباحث عندما يحكم على الأدلوجة أنها أدلوجة لا تعكس الواقع على وجهه الصحيح.

وبناء عليه لا يمكن استخدام مصطلح “الأيديولوجيا”  من قبل معتنق الأيديولوجيا أو المنظِّر لها، لأن المفهوم في حد ذاته يحمل بعدا نقديا، وهذا هو الفارق بين الأيديولوجيا والأنساق الفكرية الأخرى كالعقيدة والدين والفلسفة، ذلك أن هذه المفاهيم لا تحمل أبعادا نقدية، بقدر ما هي وصفية، وإذا تمَّ استبعاد البعد النقدي فإن مصطلح الأيديولوجيا يكون لا ضرورة له حسب العروي؛ فالأيديولوجيا تشير إلى حالةٍ نسبية، وليست مطلقة من الفكر، إذا استخدمنا مصطلح أيديولوجيا، فهذا يعني لا وجود للحديث عن “مطلقٍ” ما؛ ويوضح العروي هذه الفكرة بالقول: “إذا قلنا الأدلوجة الشيعية فإننا نضمن العبارة حكما على نسبية الفكر الشيعي. فلا يجوز أن نجعل القولة في فم إمام شيعي؛ لأن الشيعة بالنسبة إليه حقيقة مطلقة وضدها خطأ مطلق.“، وأعتقد أن هذه النقطة بشكل خاص مهمة لمراجعة السؤال الذي تم طرحه في المحاضرة: هل يمكن أن تكون هناك أيديولوجيا إسلامية؟

– نشأة المصطلح ومجالاته:

أما عن مفهوم الأيديولوجيا، فإن العروي يروي كيف أن مفهوم الأيديولوجيا نشأ حين لم يعد ممكنا رأب الصدع بين الذات والموضوع (الذي يتوجب فيهما الانسجام كأصل) بأسباب منطقية أو صحية أو ميتافيزيقية مثلما كان يحدث حتى ما قبل القرن الثامن عشر، حيث ظهور علم الأفكار، ومن ثم ظهور مصطلح الأيديولوجيا.

يقسم العروي مجالات مفهوم الأيديولوجيا إلى ثلاثة أقسام: الأيديولوجيا كقناع (وغالبا هذا في الاستعمال السياسي)، الأيديولوجيا كرؤية كونية، والأيديولوجيا كمعرفة.

وما يهمنا هنا استعمال الأيديولوجيا في الإطار السياسي، وما يستتبعه من إشكالات “شكل الدولة”، وما يتعلق بالدولة من مفاهيم مثل السلطة، والسيادة، والعنف.

– الأيديولوجيا والواقع:

في المجال السياسي، غالبا ما تم توصيف الأيديولوجيا على أنها “وهم” و “تزوير الواقع”، وحسب بول ريكور فإن الإيديولوجيا تعمل من خلال ثلاث آليات: تشويه الواقع، ومن ثم تبرير الأوضاع القائمة، ومحاولة إدماج الفرد في الجماعة، وفي المرحلة الثالثة تكون الأيديولوجيا بالنسبة للفرد الخاضع لتأثيرها أفقا ذهنيا يجد فيه “كل العناصر التي يركب منها أفكاره في صور متنوعة. يوظف منها القليل أو الكثير، لكنه لا يستطيع القفز فوق حدودها. هي مرتعه الذهني والمنظار الذي يرى به ذاته ومجتمعه والكون كله.

 في النهاية تهدف الأيديولوجيا حسب هذه الرؤية إلى تحقيق مصلحة بحتة لصالح الطبقة أو الحزب السياسي أو الجماعة العرقية أو أيا كان متبنيها.

وهو ذاته المفهوم الذي انطلق منه ماركس في نقد الأيديولوجيا على أساس أنها تزييف للواقع من أجل تحقيق مصالح لطبقة معينة، فهو يرى أن الطبقة الوسطي استخدمت الأيديولوجيا الليبرالية من أجل تحقيق مصالحها، لكنَّ الغريب أن ماركس لا يطبق هذا المفهوم على منظومة أفكاره، باعتبار أن الأيديولوجيا الماركسية تخدم طبقة البروليتاريا.

– بين الأيديولوجيا والطوبى:

يربط مانهايم بين مفهومي الأيديولوجيا والطوبى على أساس أنَّ كلا منهما تشكلان “وعيا زائفا”، لكنه يفرق بينهما من ناحية زمنية، فهو يفسر الخلاف بين الاشتراكية والليبرالية كالتالي: “كانت الحركة الاشتراكية تنعت الليبرالية بأنها أدلوجة، فترد الثانية على الأولى وتنعتها بأنها طوباوية. تشترك الكلمتان في معنى واحد: الابتعاد عن الواقع والعجز عن إدراكه. إلا أن عجز الأدلوجة يرجع في –نظر الاشتراكيين- إلى أنها متعلقة بوضع تجاوزه التطور، ويرجع عجر الطوبى في نظر الليبراليين إلى أنها متعلقة بمستقبل مستبعد التحقيق.

لذا فإن الطوبى حسب رأيه “نوع من التفكير يتمحور حول تمثل المستقبل واستحضاره بكيفية مستمرة، وعرف الأدلوجة بأنها التفكير الذي يهدف إلى استمرار الحاضر ونفي بذور التغيير الموجودة فيه.

 لكن هذا الارتباط بينهما مرحلي، لأن “الطوبى ذهنية الطبقات إبان  صعودها، والأدلوجة ذهنية الطبقات في حالة اندحارها.“، وهذا ما نلاحظه فعليا من أن كل أيديولوجيا يجب أن تكون مسبوقة بمرحلة طوباوية في بداياتها، وهي البدايات التبشيرية بيوتوبيا ما: أرضية أو سماوية،  يوتوبيا منتظرة في مستقبل سيكون النهاية الوردية لتاريخ الجماعة،  بحيث تعد نموذجا متكررا للفكرة المهدوية ذات المرجعية الدينية، أو تكرارا لفكرة “الخلاص الجماعي”، غير أنه في المنظومات التي تستبعد التدخل الميتافيزيقي في حركة التاريخ، يكون خلاصا بشريا بحتا.

ومع تغول الواقع على الفكرة التي يتم التبشير بها، وتعرضها للكثير من المساءلة، وعدم تحقق اللحظة المشرقة الأخيرة للتاريخ التي يتم افتراضها مسبقا، تكون بداية سقوط المنظومة، مع بقاء المؤمنين بها إيمان عميقا شموليا، وبهذا تتحول إلى أيديولوجيا.

-كيف يمكن للفرد الخلاص من العمى الأيديولوجي؟

إذا كان بول ريكور حدد آليات تأثير الأيديولوجيا في المجتمع من خلال ثلاثة مراحل، أخطرها المرحلة الأخيرة التي يتم فيها دمج الفرد بالجماعة، بحيث تصبح الأيديولوجيا أفقا ذهنيا يفكر من خلاله، وتكون الأيديولوجيا صوابا مطلقا بالنسبة له، فكيف يمكن النظر خارج هذا النسق المغلق من التفكير؟

يرى مانهايم أنه لا يمكن لمعتنق الأيديولوجيا أن يغير منظور الرؤية، إنه واحدي المنظور بالتأكيد، لكن الشخص القادر على الرؤية المتعدة متعددة المناظير، هو المثقف الحر.

المثقف الحر هو المتحرر من كل انتماء طبقي. هو الذي يصل إلى الوعي الصادق وإلى الموضوعية، لأنه يقارن بين الأدلوجات السياسية. ينتقد الواحدة –من منظور الأخرى- فيتحرر هكذا من الحدود الاجتماعية، ويتجاوز المعطيات البديهية الظرفية ليلتصق بالواقع المتغير.

إن هذا المثقف قادر على الخروج من النسق المغلق للأيديولوجيا، ونلاحظ أن مانهايم يؤكد من خلال هذه الوظيفة التي يسندها إلى المثقف على كون المثقف إنسان غير مؤدلج، بوصف الأيديولوجيا وهما، أو عملية تزييف للواقع، أو نسقا مغلقا لمنظومة فكرية ما، ولكن هل يتوقف الأمر عند هذه (النسبية) التي يراقب من خلالها المثقف الأدلوجات المتعددة؟

يرفض مانهايم مصطلح “النسبية” التي يرى أنه تفضي إلى الحيرة والتردد، ويفضل استخدام مصطلح “المنظورية”، لأن مذهب المنظورية “يعين على تحرير الإنسان، لأن الباحث عندما يرى الواقع الاجتماعي والأحداث التاريخية انطلاقا من منظور طبقة معينة ، ثم يرى نفس الواقع ونفس الأحداث من منظور طبقة أخرى، فإنه يقترب من الواقع لا يبتعد عنها، إن موقف النسبية صحيح لو كان الإنسان يفتقد وسيلة الاحتكام إلى الواقع. لكن الوسيلة موجودة وهي الممارسة. فالإنسان دائم الممارسة، يحكم بالضرورة على نتائج أعماله بالحكم على النتائج يحدد مدى مطابقة أفكاره للواقع. إن الأدلوجات  متساوية فيما يتعلق بوزنها الذاتي وبمنطقها الداخلي، لا فيما يتعلق بمطابقتها للواقع وبفعاليتها الاجتماعية والتاريخية. إن مجموعة فكرية ما تكون أقل أو أكثر طوباوية، أقل أدلوجية أي أقل أو أكثر ابتعادا عن الواقع، حسب الظرف الزمني الذي تظهر فيه.

وعليه فهو يفضل المنظورية على النسبية لأن النسبية في نظره “تحنُّ إلى الحقيقة المطلقة، فيما المنظورية تقبل بدون تحفظ كون الحقيقة المطلقة خارج متناول الإنسان، فلا تتأسف على ضياع ما لم يكن أبدا، لا تمنع المنظورية من إبداء حكم صريح، ولا تعرقل العمل، في حين أن النسبية تقود إلى الحيرة والتردد.

وهكذا فهو يرى أن الممارسة والاحتكام إلى الواقع تحيلان إلى قدر من التفضيل وإبداء حكمٍ صريخ، على أن يبقى المثقف الحر ملاحظا من الخارج، لا منخرطا بالداخل، وربما تبدو هذه الرؤية لمنهايم مثالية، وصعبة التحقق.

خلاصة:

وفق هذا المفهوم لمصطلح الأيديولوجيا الذي يركز على بنيتها كوهم، أو كتزييف للواقع يمكن إعادة طرح السؤال عن إمكانية توصيف أي منظومة فكرية ذات مرجعية إسلامية بكونها أيديولوجيا من قبل “المنظرين”، لا المفكرين، وإذا تكونت مثل هذه الإيديولوجيا الإسلامية، ما مدى انعكاس ذلك على الدين كجوهر متعالٍ؟

كنتُ أود تعميق البحث في هذه الأسئلة، وتعميق البحث في بعض الإشكالات التي طرحها المحاضر في الجزء الثاني من محاضرته، وربما أهم تلك الاستشكالات مسألة “تاريخانية النص القرآني”، لكن الوقت لا يتسع لي، وربما حظينا بمثل هذا الطرح من قبل أحد الحاضرين.

[1] يستخدم العروي كلمة “أدلوجة” على وزن “أفعولة” كتعريب أفضل من إيديولوجيا.

Advertisements

About فريق أفلاك

فريق شبابي فلسطيني يسعى لعقد عدة لقاءات تهم الشباب وتعمل على بناء الشخصية الواعية والتي تحمل همّ البناء لمستقبل أفضل...
هذا المنشور نشر في فلسفة, كتابات الأعضاء, نهضة, اسلاميات, تجديد ديني وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s