أنس سمحان يكتب: مراجعة كتاب (فئران أمي حِصَّة)

مراجعة فئران أمي حصة

= فئران أمي حِصَّة =

كنتُ أقلب صفحات الفيسبوك بشكل يائس قبل أن أعطِّل حسابيّ حينما رأيت سعود يعلن نشر روايتهِ “فئران أمي حِصة”. يومها أخرت تعطيل الحساب ليومين محاولًا الاتصال مع أصدقاء في الخارج لإرسال الرواية سريعًا إلى غزة، لأني أعلم أن دور النشر ستتأخر 7 شهور على الأقل وهو ما حصل تمامًا.

حملتها الكترونيًا وقد قررت الشروع بها مرارًا، لكني لا أطيق “القراءة الإلكترونية” لسبيين أولهما هو اختراق وسرقة ملكية الكاتب والثاني هو أني لا أطيق القراءة الإلكترونية، وأغلب كتبي قرأتها ورقية. بعد سبع شهورٍ، اشتريت الرواية، وللأسف كانت الطبعة الخامسة (نسخة غير أصلية) بعض صفحاتها غير مرتبة وبرغم أنها الطبعة الخامسة إلا أنها كانت مليئة بالأخطاء الطباعية والكلمات الناقصة من بعض الجُمل.


سُعود. تعبتُ مع سعود العام الماضي حول صراع الهوية في روايتهِ ساق البامبو. روايتهِ التي جعلت مني أنا “ساق بامبو” أينما تضعني أزهر، ولا أنتمي إلى مكان معين. قرأت ساق البامبو وفي اليوم الثاني كان نزوحي من البيت بسبب الحرب. اليوم أعود لأغوص في لغة سعود مرة أخرى في فئران أمي حصة الممنوعة من النشر، والتي تجعل منها فاكهة مُحرَّمة بنكهة ألذّ.

في بداية الرواية؛ لم أتمكن من حفظ الأسماء والاستمرار بشكل سريع مع الكاتب خصوصًا مع العلاقات المترابطة ونظام ومضات الماضي والحاضر في الكتابة. أتعبتني الرواية في طريقة عرضها بدايةً، لكني سُرعان ما أخذت عليها وحفظت الأسماء وشبكة العلاقات بعدنا كتبتها على ورقة خارجية. كما أبدع الكاتب في ساق البامبو يكمل هنا ابداعه مؤكدًا لنا أنه كاتب حصيف قويّ، ولم تكن روايتهِ الأولى مُجرَّد حظ.

اختيار الكاتب للموضوع مُهم جدًا، فهو ليس مثل الكثير من الكتاب الذي اتخذوا من أبراجهم العاجية مكان لكتابتهم البعيدة كل البعد عن حياة الناس، ولكن سعود لامس موضوعًا قلَّما تم التطرق إليه بهذا الانصاف، وهذا ينبئ أو يؤكد على وجود نتائج للثورات العربية، حيث أنتجت لنا شبابًا “غير مصنفين” من كل الأطراف ومن كل الدول بدؤوا يظهرون. هؤلاء الشباب يقول عنهم الإسلاميون أنهم “ليبراليون” ويقول الليبراليون عنهم أنهم “إسلاميون”. تتهمهم الجامعات الدينية بأنهم ملاحدة، ويتهمهم الملاحدة بأنهم “متطرفون”. هم نفسهم أولاد فؤادة. هم نفسهم. نحن. هؤلاء أو نحن أو هُم العصيون على التصنيف. هم الوجع الحقيقيّ في أسنان كل الأطراف. ربما كل الأطراف مخافة لبعضها البعض في كل شيء، لكنها تتفق على شيء واحدة وهو معادة هذا النوع من الشباب لأنهم يسعون “لوحدة الصف” ونبذ الخلاف، وقتل الماضي والعيش في الحاضر. سُعود ذاته كان في شخصية الراوي يُخبرنا القصة. «زور ابن الزرزور» اللي عمره ما كذب ولا حلف زور. لم يكذب ولم يؤلف الكاتب أي شيء من بنات أفكاره. هو يحكي الواقع، ويبني على توقعاتهِ. سعود هو مثال الأديب الحقيقي الذي يعيش في واقعهِ ويتحدث عنه ومنه.
دائمًا ما كنت أقول أن الوظيفة الرئيسية للأدب هي أن “يدهش”، وبعد قراءتي لهذه الرواية حق عليّ أن أقول إنك يا سعود “سيد الدهشة” كلها. ليس في الأحداث فقط ولا في التفاصيل ولا في الرواية وإنما في روحك ونَفَسِكَ الخاص داخل الرواية.

تقمَّص سعود في هذه الرواية دور الطفل أولًا في سردِ ذكرياتهِ، ثم فقز إلى دور المتنبئ المستقبلي (futurist – عالم مستقبليات) ولم يتوقف عن هذا الحد؛ اذ عاش بعدها دور المؤرخ. تحدَّث بكل موضوعية تاريخية في الأحداث. لم تكن التفاصيل التاريخية كثيرة، لكنها كانت موجودة، ويمكن للقارئ أن يتعلم تاريخًا من هذه الرواية.
يتحدث عن وقوف منظمة التحرير في صف العراق، وهو الذي كان لعنة على الفلسطينيين في الكويت حيث تم طردهم من هناك. هي اللعنة ذاتها تلاحقنا اليوم. لكن ليست مع منظمة التحرير، وإنما مع تنظيمات تدِّعي أنها جاءت تحرر الناس باسم الدين وكان أسوأ من منظمة التحرير في نتائج ما وصلت إليهِ وأهم شيء أنها لم تتعلم من أخطاء المنظمة ولم تتورط في دولة معينة مع جالية معينة، وإنما مع شعب غزة كاملًا حيث أوقعته في شراك الحصار على مدار 7 سنوات كاملة ولربما تزيد.

سعود في هذه الرواية لا يتحدث عن الكويت. يتحدث سعود عن “عباس وصالح”. عن الطائفية التي قتلتنا. عن الحزبية التي أعمتنا. عن الضحك الذي مارسه رجال الدين علينا كذبًا. سعود يتحدث هنا عن قضية بدأت منذ فجر الإسلام ولم تمت حتى اليوم. قضية قتلت وفتكت بمئات الملايين . . لصالح من؟ لصالح رجال الدين الذي يشبعون غريزة الدم فيهم بهذا القتل الذي يقع بين الـ هُم والـ هُم!

نعم أضع نفسي خارج التصنيف. لستُ من هؤلاء ولا هؤلاء. في آخر رواية يفاجئك سؤال طفلة فهد: “الله سنيّ ولا شيعيّ”.
حينها تعلم أن الفريقين للشيطان!

لغة سعود اختلفت ولكن أسلوبه السردي البديع استمر. طريقة العرض تشعر القارئة بالدوخة، ولكنها تجعه يُعمِل عقله، فالقارئ لا يحب الكتب البسيطة التي تعطيه معلومات جاهزة والتي تشعره “بالغباء”.

فئران أمي حِصة. رواية مُتعبة جدًا. لا تُقرأ مرة واحدة (على نفس واحد)، وإلا قتلتك. هي تتحدث عنك، وعن ذلك “الدعدوش” الصغير الذي يعيش في داخلك. تتحدث عن تلك الرغبة الجامحة في السيطرة، وفي اثبات من “أصح” مِنْ مَنْ. فئران أمي حِصة؛ رواية تتحدث عنا. اقرؤوا الرواية واخرجوا لحماية الناس من الطاعون. كونوا الوقاية. لا تكونوا الطاعون. كونوا الحماية. لا تكونوا الفئران!


لأول مرة أخالف غريزة “الـ 5 نجوم” فيَّ. ولأول مرة منذ مدة طويلة تدهشني روايته وتجعلني بشكل لا إراديّ أن أضع لها 5 نجومٍ كاملة، ولو كانت معي نجوم أكثر لوضعتها على جبين سعود.

تابع الكاتب:

Advertisements

About فريق أفلاك

فريق شبابي فلسطيني يسعى لعقد عدة لقاءات تهم الشباب وتعمل على بناء الشخصية الواعية والتي تحمل همّ البناء لمستقبل أفضل...
هذا المنشور نشر في كتابات الأعضاء, كتب, مراجعات, اسلاميات, تجديد ديني وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على أنس سمحان يكتب: مراجعة كتاب (فئران أمي حِصَّة)

  1. حلو جدا , حمستني لقراءة الرواية 🙂
    نقد شيق

    Liked by 1 person

  2. د. خولة حطاب كتب:

    سعود في روايته هذه مبدع

    إعجاب

  3. Sajida Attoun كتب:

    لم اتوقع يوما انني ساقرأ الرواية ,لان اسمها لم يعجبني ,لكن بعد مقالك هذا يسرع وقت ساشتريها واقراها
    جميل ما كتبت

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s